محمد بن جرير الطبري
123
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يَعْمَلُونَ يقول : وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا . كالذي : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ يعني : تركوا ما ذكروا به . حدثنا القاسم ، قال : ثنا ، الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريح ، قوله : نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ قال : ما دعاهم الله إليه ورسله ، أبوه وردوه عليهم . فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يقول : بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش ؛ ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام استدراجا منا لهم . كالذي : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ قال : رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ قال : يعني الرخاء وسعة الرزق . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، قوله : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يقول : من الرزق . فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ وقد علمت أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم ، وأبواب أخر غيره كثيرة ؟ قيل : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت من معناه ، وإنما معنى ذلك : فتحنا عليهم استدراجا منا لهم أبواب كل ما كنا سددنا عليهم بابه عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ، ليتضرعوا ، إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله . لأن آخر هذا الكلام مردود على أوله ، وذلك كما قال تعالى في موضع آخر من كتابه : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ففتح الله على القوم الذين ذكر في هذه الآية ذكرهم بقوله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ هو تبديله لهم مكان السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة ، ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية ، وهو فتح أبواب كل شيء كان أغلق بابه عليهم مما جرى ذكره قبل قوله : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ فرد قوله : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ عليه . ويعني تعالى بقوله : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا يقول : حتى إذا فرح هؤلاء المكذبون رسلهم بفتحنا عليهم أبواب السعة في المعيشة والصحة في الأجسام . كالذي : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الرزق . حدثنا الحرث ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، يحدث عن حماد بن زيد ، قال : كان رجل يقول : رحم الله رجلا تلا هذه الآية ثم فكر فيها ماذا أريد بها : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً . حدثني الحرث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا ابن أبي رجاء من أهل الثغر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن النضر الحارثي ، في قوله : أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً قال : أمهلوا عشرين سنة . ويعني تعالى ذكره بقوله أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أتيناهم بالعذاب فجأة وهم غارون لا يشعرون أن ذلك كائن ولا هو بهم حال . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً قال : أعجب ما كانت إليهم وأغرها لهم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً يقول : أخذهم العذاب بغتة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا